أحمد الشرباصي
159
موسوعة اخلاق القرآن
وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ » . وكذلك يقول الحق جل جلاله : « وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ، الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ » . وليتذكر المؤمن المتحلي بفضيلة الخوف من ربه أن سيد الخلق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان أشدّ المؤمنين خوفا من اللّه ، وهيبة له ، وخشية من جلاله ، مع أنه المغفور له من ربه ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وهو القائل : « شيّبتني هود وأخواتها : سورة الواقعة ، وإذا الشمس كورت ، وعم يتساءلون » . وقد ذكر العلماء أن سبب ذلك - واللّه أعلم - يرجع إلى ما في سورة هود من تكرار الإبعاد . كقوله تعالى : « أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ » . وقوله : « أَلا بُعْداً لِثَمُودَ » . وقوله : « أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ » . ولأن سورة الواقعة جاء فيها قوله تعالى : « لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ ، خافِضَةٌ رافِعَةٌ » ، ولأن سورة التكوير جاء فيها تصوير لأهوال يوم القيامة ، كما في قوله تعالى : « وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ، وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ، عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ » . ولأن سورة النبأ « عم يتساءلون » فيها قوله تعالى : « لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً » . وقوله : « إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً » . * * * ولا شك أن يقظة الخوف في نفس المؤمن تثمر عنده تجنّبه الشهوات وابتعاده عن الآثام ، ولعل هذا هو ما قصده العلماء بقولهم إن الخوف المحمود الصادق هو ما منع صاحبه محارم اللّه عز وجل ، ومن هنا قال إبراهيم بن سفيان : « إذا سكن الخوف القلوب أحرق مواضع الشهوات منها ، وطرد الدنيا عنها » . وقال ذو النون : « الناس على الطريق ( أي مستقيمون عليه ) ما لم يزل عنهم الخوف ، فإذا زال عنهم الخوف ضلّوا الطريق » .